قصة البدين والنحيف
تلك القصة ترجع للكاتب الروسي أنطوان تشيخوف وتم تعديل بعض الاسماء لتلائم الثقافة العربية.
القصة
في محطة سكة حديد بالاسكندرية التقي صاحبان: أحدهما بدين والآخر نحيف وكان البدين قد تغدي لتوه في المحطة ولمعت شفتاه من الدهن كما تلمع ثمار الكرز الناضجة وفاحت منه رائحة النبيذ والحلويات المعطرة أما النحيل فكان خارجًا لتوه من عربة القطار محملًا بالحقائب والصرر وعلب الكرتون وفاحت منه رائحة لحم الخنزير والقهوة الرخيصة ولاحت من وراء ظهره امرأة نحيفة طويلة الذقن..زوجته ، وتلميذ طويل بعين مزرورة..ابنه
وهتف البدين عنما رأي النحيف: قاسم ؟ أهو أنت ؟ كم مر من أعوام لم أرك فيها.
ودهش النحيف: يا سلام وائل صديق الطفولة من أين جئت ؟
وتبادل الصاحبان القبلات ثلاثًا وحدق كل منهما في الآخر بعينين مغرورقتين بالدموع وكانا كلاهما في حالة من الذهول اللذيذ.
وقال النحيف بعد القبلات: يا عزيزي لم اتوقع ابدًا يالها من مفاجاة هلا نظرت إلي جيدًا جميل كما كنت حبوب وغندور كما كنت آه يا إلهي كيف احوالك ؟ أصبحت غنيًا ؟ تزوجت ؟ أنا تزوجت كما تري.. وهذه زوجتي سارة من عائلة كبيرة متنورة أما هذا فابني مدحت تلميذ بالصف الثالث.. يا مدحت هذا صديق طفولتي درسنا معًا في المدرسة... وفكر مدحت قليلًا ثم القي التحية
ومضي النحيف يقول: درسنا معًا في المدرسة وأتذكر كيف كانوا يغيظونك ؟ بلقب هيروستراتوس لأنك احرقت بالسيجارة كتاب عهدة وكانوا يغيظونني بلقب أفيالتوس لأنني كنت أحب النميمة ها..ها..كم كنا صغارًا.. لا تخف يا مدحت اقترب منه وهذه زوجتي من عائلة متنورة ايضًا وفكر مدحت قليلًا ثم أختبأ خلف ظهر أبيه وسأل البدين وهو ينظر بإعجاب إلي صديقه: كيف حالك صديقي ؟ أين تخدم ؟ وماذا بلغت في الخدمة ؟
- أخدم يا عزيزي بلغت موظف بالدرجة الثامنة منذ سنة والراتب سيئ فليكن.. زوجتي تعطي دروسًا في الموسيقي وانا أصنع علب سجائر من الخشب..علب ممتازة أبيعها الواحدة بخمسون قرش ومن يشتري عشر علب سجائر من الخشب أو أكثر أقدم له خصمًا.. ندبر أمورنا كيفما كان. أتدري ، كنت أخدم في الإدارة وقد نقلت إلي هنا الآن كرئيس قسم تبع نفس الوزارة..سوف أخدم هنا.، وأنت كيف ؟ أظنك بلغت مستشار دولة هه ؟
فقال البدين: لا يا عزيزي بل أعلي لقد بلغت رتبة اللواء.
وفجأة امتقع النحيف وتجمد ولكن سرعان ما التوي فمه في جميع الاتجاهات ليصنع ابتسامة عريضة للغاية وبدا كأن الشرار قد تطاير من وجهه وعينيه.
أما هو فانكمش وتحدب وضاق وانكمشتحقائبه وصرره وعلبه وتجعدت واستطال ذقن زوجته الطويل وشد مدحت قامته وزرر جميع أزرارا سترته.
-إنني يا صاحب السعادة مسرور جدًا.. صديق الطفولة يعني وإذا به يصبح من السادة الأكابر.
فامتعض البدين وقال: دعك من هذا ما هذه النبرة ؟ إننا أصدقاء الطفولة فما معني عبادة الألقاب هذا ؟
فضحك النحيف ضحكة صفراء وازداد انكماشًا: العفو ماذا تقولون إن اهتمام سعادتكم الكريم هو كالبلسم الشافيهذا هو ابني مدحت يا صاحب السعادة وزوجتي سارة.
واراد البدين أن يعارض بشيء ما ولكن وجه النحيف كان يطفح بالتبجل والتعبير المعسول والخنوع إلي درجة أثارت الغثيان في نفس اللواء فأشاح بوجهه عن النحيف ومد له يد مودعًا.
وصافح النحيف ثلاث اصابع وانحني بجسده كله وضحك كالصيني: "هئ..هئ" وابتسمت الزوجة ومسح مدحت الارض بقدمه وسقطت قبعته وكانوا ثلاثتهم في حالة ذهول لذيذ.

انني اختلف معك في كل كلمة تقولها لكنني سأدافع حتى الموت عن حقك في ان تقول ما تريد.